صديق الحسيني القنوجي البخاري

154

فتح البيان في مقاصد القرآن

والغرف خالِدِينَ فِيها أَبَداً بلا انتهاء ولا غاية ، والأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له . وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا قال في الكشاف مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره ، ووجهه أن الأول مؤكد لمضمون الجملة الاسمية ومضمونها وعد ، والثاني مؤكد لغيره أي حق ذلك حقا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا هذه الجملة مؤكده لما قبلها ، والقيل مصدر قال كالقول والقال والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق قولا من اللّه عز وجل ، وقيل إن قيلا اسم لا مصدر ، وأنه منتصب على التمييز قاله ابن السكيت . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 123 إلى 124 ] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) لَيْسَ دخول الجنة أو الفضل أو القرب من اللّه أو الأمر منوطا بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ بل بالعمل الصالح والإيمان كما يدل على ذلك سبب نزول الآية ، وقيل الضمير يعود إلى ما وعد اللّه وهو بعيد ، ومن أماني أهل الكتاب قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] . وعن مسروق قال : تفاخر النصاري وأهل الإسلام فقال هؤلاء نحن أفضل منكم ، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم ، فنزلت ، وقد ورد معنى هذه الرواية من طرق كثيرة مختصرة ومطولة ، والأماني جمع أمنية أفعولة من التمنية ، والتمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها والأمنية هي الصورة الحاصلة في النفس ، وقيل الخطاب للمسلمين ولليهود والنصارى وقيل لمشركي مكة في قولهم لا نبعث ولا نحاسب . مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قال الحسن : هذا في حق الكفار ، ولا وجه له ، وقال ابن عباس : هي عامة في كل من عمل سوءا . وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال لما نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المرض باب 1 ، ومسلم في البر حديث 52 ، والترمذي في تفسير سورة 4 ، باب 24 ، وأحمد في المسند 2 / 303 ، 335 .